سبتمبر 19, 2018

خارج المربع: لعبة نهاية سنية في سوريا والعراق؟

خارج المربع: لعبة نهاية سنية في سوريا والعراق؟

فرناندو بيتانكور*
هناك علامات لم تكن معروفة سلفاً لمستويات تعاون وتنسيق بين الولايات المتحدة والدول السنية الرئيسة في المنطقة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اتفاق لتقاسم السلطة يرضي مصالحها الإستراتيجية.
تلك الأحداث الرئيسة هي كما يلي:
في تشرين الأول، دعت مجموعة من 53 إماماً سعودياً، غير مرتبط بالحكومة، الى الجهاد ضد حكومات روسيا وإيران وسوريا.ولم تتوقف تلك المجموعة عند هذا الحد، بل تعدته الى الإدانة الرسمية وتشبيه التدخل الروسي في افغانستان عام 1980، وهو ما أدى في حينه إلى ولادة تنظيم القاعدة، إن كان أحد قد نسي ذلك. ومن الجدير بالذكر القول أن الحكومة السعودية قد تكون سمحت، أو كانت غير قادرة على وقف ذلك، إذ يشير الإفتراض الأول الى الموافقة على الرسالة المكثفة، بينما يشير الإفتراض الثاني الى الضعف ورغبة السعوديين في تجنب فتنة داخلية من رجال الدين الراديكاليين.
في 5 تشرين الثاني، أعلنت القوة الجوية الأمريكية عن نشر ستة طائرات من نوع F-15C في قاعدة انجرليك التركية، وهو أمر مثير للاهتمام، لأنه على عكس طائرات F-15E ، فإن طائرات F-15C مقاتلات ذات تفوق جوي وليس لها دور في أي هجوم بري، على الرغم من أن تنظيم داعش ليس لديه قوة جوية. كانت المهمة حماية المجال الجوي التركي. ولكن، من ماذا؟ كانت الطائرات الوحيدة التي تحلق فوق سوريا هي طائرات فريق العمل المشترك، أو روسيا، أو الحكومة السورية.
في 24 تشرين الثاني، أسقطت مقاتلة تركية من نوع F-16 مقاتلة روسية من نوع سو 24، كانت قد انتهكت المجال الجوي التركي لفترة قصيرة. يذهب هذا العمل إلى ما هو أبعد من الطموحات التركية في سوريا، وينطوي على تنافس روسي تركي أوسع بكثير يشمل البحر الأسود ومنطقة القوقاز، غير أن حقيقة أن العمل العسكري قد أتخذ في هذا المسرح بالتحديد، أمر مهم، وربما يشير إلى أن تركيا غير مستعدة للتحرك بقوة أكبر مما أشارت في وقت سابق.
في 5 كانون الأول، اتهمت الحكومة العراقية رسميا الحكومة التركية بـ “التوغل غير المشروع” في شمال العراق. كان هذا ردا على استبدال حوالي 150 من المدربين في معسكر شمال مدينة الموصل، وهو ما كان أمرا روتينيا إلى حد كبير حتى ذلك الحين. وقد أدى هذا الاحتجاج الى استدعاء السفير التركي في بغداد، والى إصدار الحكومة التركية تحذيرا لجميع رعاياها لمغادرة العراق.
في 9 كانون الأول، أعلن وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر، خلال زيارته للعراق، أن الولايات المتحدة “مستعدة لبذل المزيد من الجهد” لمساعدة الجيش العراقي لإنهاء المهمة ضد تنظيم داعش، في تصريح مشابه لبيانه في 6 تشرين الثاني في كامب ديفيد، عندما قال: ” نرحب بالتعامل مع تلك البلدان على الأرض لأنها ستكون لها ميزة مميزة في المعركة البرية”.
وفي نفس ذلك اليوم أيضا، وافقت جماعات المعارضة السورية على المقترح السعودي لاجراء محادثات، والتوحد في وجه الموالين لبشار الأسد الذي تدعمه روسيا. ومع أن الطريق لا تزال غير سالكة، إذ أن العديد من الجماعات المتمردة تحتقر بعضها البعض، ولكن إمكانية توحيد القوى السنية المتمردة أمر هام للغاية.
تحدث هذه الأحداث في سياق هجوم كبير من قبل القوات الموالية الأسد، بدعم من روسيا وإيران وحزب الله، لاستعادة المبادرة، واستعادة السيطرة على الأراضي الحرجة حول حماه وحلب وحمص. كان القتال عنيفاً والتقدم بطيئا، ويرجع ذلك أساسا الى الأسلحة المضادة للدبابات التي قدمتها دول الخليج لى المتمردين السوريين، ولكن التقدم مستمر وإن كان بطيئاً، كما أنه خفف من التهديد المباشر لللاذقية، معقل العلويين، مثلما تم فك الحصار المستمر لعامين على قاعدة كويراس الجويةـ وتم درء الخطر عن خطوط الإمداد الاستراتيجية بين الشمال والجنوب. ليس هذا بنصر، ولكن النظام كان على وشك الانهيار قبل ثلاثة أشهر فقط، وهذا هو التحول المهم.
وقد وضع هذا الأمر مزيدا من الضغط على السعوديين، فقد كان وكلاؤهم السوريون يعانون من انتكاسات خطيرة؛ وفي العراق ايضا كانت الميليشيات الشيعية المعروفة بالحشد الشعبي تحرز الانتصارات في بيجي والرمادي، بعد أن انتصرت البيشمركة الكردية في سنجار ايضا. دول الخليج ليس لديها أي اهتمام محدد بالأكراد بالتحديد، ما عدا أن الميليشيات الشيعية العراقية تحصل على التدريب والتمويل من إيران علانية. بسبب ذلك، لا يأمن الملك سلمان على عرشه، ويواجه احتمالات حقيقية جدا إما من انقلاب من داخل القصر أو من تطرف رعاياه الجذري، إذا ما فشلت قيادته في إحراز نصر سني في سوريا والعراق.
أما تركيا فهي أيضا تحت ضغط شديد، إذ يواجه الرئيس أردوغان الكثير من المعارضة الداخلية بسبب أسلوبه الاستبدادي والفساد الهائل للموالين له في حزب العدالة والتنمية. استغل أردوغان المعركة مع الأكراد ، وأخذ جانب التشدد في سورية للحصول على أغلبية برلمانية ضيقة في الانتخابات الثانية التي جرت في تشرين الثاني، بعد أن لم تؤدي الانتخابات الاولى الى نتائج حاسمة . علاوة على ذلك، فإن تركيا تواجه المد التركي الذي تغلب على جورجيا، واحتل شبه جزيرة القرم ، ويلعب footsy مع أذربيجان وأرمينيا، ولديه الآن فوج طيران في سوريا مع قوات برية للدفاع عن قواعده. بعد 400 عاما من القتال من الروس، فإن آخر شيء يريده الأتراك هو أن يحاصرهم الروس.
ويبدو أن هذه النكسات قد وحدت “التحالف السني” معا، وبدفع من قبل الولايات المتحدة ، فإن الأتراك والسعوديين قد يكونون مستعدين لتجاوز مرحلة الإمدادات والذخائر الى استخدام القوات البرية في محاولة لتصحيح الوضع. لن يكون ذلك على وجه التحديد “غزو العراق” كما يصرخ البرلمانيين الشيعة في بغداد، ولكنه لن يكون بعيدا جدا عن الواقع. كيف سيبدو ذلك في الواقع؟
الالتزام بالقوات البرية: سيتفق كل من الأمريكيين ودول الخليج والأتراك على المساهمة في عدد معين من القوات من أجل “هزيمة تنظيم داعش”. سيساهم الأميركيون بعدد صغير من القوات الخاصة وسلاح الطيران. أما الأتراك ودول الخليج فستقوم بتوفير المزيد من القوات التقليدية: مثل المشاة والدروع والمدفعية.
الواجهة الدبلوماسية: ليس هناك احتمالية لصدور قرار من الامم المتحدة يجيز العمل العسكري في سوريا، لأن الروس سوف ينقضونه. مع ذلك، لدى الغرب سوابق في استخدام القوة من دون موافقة مجلس الأمن، مثل الحملة الجوية ضد صربيا بقيادة حلف شمال الأطلسي. وفي هذه الحالة، سيتم توفير الغطاء الدبلوماسي من قبل الجامعة العربية، التي أجازت مسبقا العمل العسكري ضد الحوثيين في اليمن.
أما في العراق، فإن الأمر لا يحتاج الى الواجهة الدبلوماسية، لأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يضغطان على بغداد لإجبار رئيس الوزراء العبادي على الموافقة على قبول “المساعدة الكريمة” من دول الخليج لهزيمة تنظيم داعش.
العمل العسكري في العراق: ستقوم دول الخليج بنشر القوات النظامية إلى جانب ميليشيات الحشد السني (مثل تلك التي كان من المفترض أن يدربها الأتراك بالقرب من الموصل) والجيش العراقي. وستركز هذه على استعادة السيطرة على محافظة الأنبار ذات الأغلبية السنية من تنظيم داعش، وإبقائها خالية من الميليشيات الشيعية. يمكن للأميركيين أن يفعلوا كما فعلوا مع التحالف الشمالي: من خلال مراقبة الموقف، والقيام بغارات جوية واشتباكات محدودة للقبض على أهداف ذات قيمة عالية، أو التعامل مع جيوب محدودة من المقاومة. أي أن القوات الامريكية لن تؤدي دورا قيادياً.
العمل العسكري في سوريا: سيحرك الاتراك وحدات برية كبيرة في شمال سوريا لتوفير “منطقة آمنة” للاجئين السوريين. هذا من شأنه أن يتزامن مع فرض الولايات المتحدة لمنطقة حظر جوي فوق المنطقة الآمنة، لتجنب قصف المدنيين عن طريق الصدفة. وستكون تلك المنطقة الآمنة مدعومة تماما من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكلاهما يريد القيام بشيء ما لإبقاء اللاجئين السوريين بعيدا عن حدودهما. كما ستكون تلك المنطقة الآمنة أيضا بمثابة ملاذ آمن للمتمردين الذين يقاتلون الأسد، وساحة لتدفق الذخائر والمتطوعين، ولنفط تنظيم داعش.
هجوم الصحافة: سيتم وصف كل هذا كخطوات ملموسة في أعقاب مجزرة باريس لضمان تدمير تنظيم داعش، ومن الممكن دعوة الفرنسيين الى المشاركة في بعض تلك التدابير.
وبالتالي، فإن نهاية اللعبة هو الإطاحة بروسيا وايران من خلال فرض قوات عسكرية كافية لمنعهما من تحقيق أهدافهما، وفي نفس الوقت، إحباط الرد العسكري المباشر من خلال التهديد بالتصعيد. وإذا ما تحدت روسيا المنطقة الآمنة التركية، يمكن لتركيا أن تستعين ببند الدفاع المشترك لحلف شمال الأطلسي. أما إذا تحدت ايران هذا الوضع في العراق بشكل مباشر، فإن لدى الولايات المتحدة قوات كافية للتعامل مع أي توغل. نهاية اللعبة هذه ليست للإطاحة بالأسد أو تدمير تنظيم داعش،وإنما لإضعاف كليهما. وعلى التحالف الأميركي السعودي التركي أن يكون مستعد للتعامل مع روسيا، ولكن ليس بشروط روسية: وستكون النتيجة الوحيدة المقبولة لهؤلاء الحلفاء هي رحيل الأسد ومجيء حكومة سنية لتحل محله.
غير أن مشاكل هذه الاستراتيجية كثيرة وواضحة: لن يقبل الروس والسوريون والإيرانيون الجلوس بخنوع، في حين تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها على هواهم. هناك العديد من الإجراءات التي يمكن القيام بها لمواجهة نهاية اللعبة هذه، والجانب الآخر ايضا، من غير المرجح أن يكون غبيا بما يكفي ليتصرف بطريقة محددة سلفا. سيكون هناك حركات مضادة تبدأ بطلب حكومة بغداد من روسيا للمشاركة رسميا في عمليات تدمير تنظيم داعش في العراق. ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي هو احتمال حدوث حوادث غير مقصودة أو مقصودة مع الطائرات الروسية والأمريكية العاملة في نفس المجال الجوي، وربما يتم قصف أهداف للطرفين، ما أن تبدأ الذخائر الأمريكية قتل قوات روسية أو العكس. وسيكون هناك خطر تصعيد كبير لا يمكن السيطرة عليه. كما قد تتجاوز روسيا المنطقة الآمنة، وتعتبرها غير قانونية من دون موافقة مجلس الأمن. وهذا من شأنه أن يؤدي إما الى تعزيز حظر الطيران فوقها، أو أنها قد تصبح نكتة: أميل أنا إلى التفكير أنه سيتم تحذير الروس سراً.
وهكذا، وبينما تشرق شمس العام الجديد 2016، فإن وكلاء الولايات المتحدة وروسيا قد يقصفون بعضهم البعض في شرق أوكرانيا وشمال سوريا. والأسوأ من ذلك، هو أننا قد نواجه شبح التخلص من الوكلاء تماما.
كل عام وأنتم بخير

* فرناندو بيتانكور: خبير اقتصادي أمريكي يعيش في مدريد بإسبانيا، وهو عضو نشط من الديمقراطيين في الخارج، ومدافع عن الليبرالية السياسية والاقتصادية. ينشر مقالاته على موقعه على الانترنت.

الترجمة الى العربية: فريق الترجمة في وكالة الأنباء العراقية عن موقع الديمقراطية المفتوحة

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *